السيد البجنوردي

184

منتهى الأصول ( طبع جديد )

اللّه - تعالى عن ذلك - فلا يمكن تعلّق إرادته بفعل العبد ، بل يتعلّق بإيصال النفع إلى العبد بتحريكه وبعثه نحو الفعل ، وإيصال النفع إلى العباد بالبعث وتحريكهم نحو الأفعال الحسنة والزجر عن السيّئات فعله تبارك وتعالى لا فعل العبد . فعجيب أوّلا : من جهة أنّ إيصال النفع أيضا ليس فيه فائدة عائدة إليه تعالى ؛ لأنّه لا نقص فيه حتّى يستكمل بمثل هذه الفائدة ، فلو كانت إرادته تعالى لفعل من أفعال نفسه أو غيره منوطا بوجود فائدة عائدة إليه في ذلك الفعل لم تتعلّق إرادته بفعل من الأفعال ؛ لما ذكرنا من عدم النقص فيه تعالى وعدم احتياجه إلى فائدة تصل إليه - تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا - ولو كان تعلّق الإرادة بأيّ معنى كان من جهة صلاح ووجود مصلحة في متعلّقها - كما هو الصحيح والحقّ الصريح الذي يجب المصير إليه - فلا فرق بين فعل الغير وبين إيصال النفع إلى الغير في اشتمال كليهما على المصلحة في بعض الأحيان . وبعبارة أخرى : الإرادة مطلقا - من اللّه أو من الخلق - تابعة لما يرى المريد في متعلّقها من المصلحة إذا كان المريد عاقلا حكيما غير تابع للشهوات مجتنبا عن السفهيات . ولا فرق بين أن تكون تلك المصلحة راجعة إلى النوع - أي تكون مصلحة للنوع والنظام والمجتمع - وبين أن تكون راجعة إلى شخص المريد أو إلى شخص المراد منه بواسطة لطف المريد بالنسبة إليه . ولا يمكن أن تكون دائرة متعلّق الإرادة أوسع ممّا له المصلحة أو تكون أضيق منه ، بل كلّ ما له دخل في المصلحة لا بدّ أن يكون تحت الإرادة ، وكلّ ما ليس له دخل فيها لا بدّ أن يكون خارجا عن تحتها ؛ لما ذكرنا من التبعية . فإذا عرفت ذلك فنقول : إذا علم اللّه - تبارك وتعالى - بعلمه الأزلي أنّ الفعل الفلاني الصادر عن الشخص الفلاني أو عن أيّ شخص يكون متصفا